وهبة الزحيلي
32
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَهِيَ خاوِيَةٌ جملة اعتراضية . وفسر قوم : وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي ساقطة سقوفها ، فلا يكون هناك اعتراض . كَمْ لَبِثْتَ : كم : في موضع نصب على الظرفية الزمانية ، وتقديره : كم لبثت يوما . لَمْ يَتَسَنَّهْ إما أصله : يتسنّن ، من قوله : حَمَإٍ مَسْنُونٍ أي متغير ، قلبت النون الثالثة ياء كراهية اجتماع ثلاث نونات ، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصار « يتسنّى » ثم حذفت الألف للجزم ، فصار : يتسن ، وأدخلت عليه هاء السكت ، وإما مأخوذ من « تسنّه وسانهت » تفعل من السنة ، فيكون المعنى : لم يتغير بمرّ السنين ، وأصل سنة : سنهة . وَلِنَجْعَلَكَ الواو عطف على فعل مقدر ، تقديره : انظر إلى حمارك لتتيقن ما تعجبت منه ، حين قلت : أنى يحيي هذه اللّه بعد موتها ، ولنجعلك آية للناس . البلاغة : بَعْدَ مَوْتِها أي موت سكان القرية ، مجاز مرسل من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال . ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فيها استعارة الكسوة للحم الذي غطى العظم ، كما يستر الجسد باللباس ، ثم حذف المشبه به وهو الثوب ، وأتى بشيء من لوازمه وهو الكسوة على سبيل الاستعارة المكنية . المفردات اللغوية : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ أي عزير الذي مر على ضيعة هي بيت المقدس ، راكبا ومعه سلة تين وقدح عصير خاوِيَةٌ ساقطة ، أو خالية من السكان ، والعروش : السقوف ، لما خربها بختنصر . أَنَّى يُحْيِي كيف ، وهو استبعاد منه للإحياء بعد الموت ، والمراد بالإحياء هنا : العمارة بالبناء والسكان بَعْدَ مَوْتِها خرابها فَأَماتَهُ اللَّهُ أي جعله فاقدا للحس والحركة والإدراك بدون أن تفارق الروح البدن بتاتا ، كما حدث لأهل الكهف ثُمَّ بَعَثَهُ أرسله من بعثت الناقة : إذا أطلقتها من مكانها ، وعبر بالبعث دون الإحياء إيذانا بأنه عاد كما كان أولا حيا عاقلا كامل المدارك . ويرى الأطباء أن من الناس من يبقى حيا زمنا طويلا ، لكنه يكون فاقد الحس والشعور ، وهو المسمى لديهم بالسبات : وهو النوم المستغرق ، ومرد كل ذلك إلى قدرة اللّه بالحفظ مائة سنة أو ثلاثمائة سنة أو أكثر أو أقل ، وقال القرطبي : وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد . طَعامِكَ التين وَشَرابِكَ العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير مع طول الزمان ، والهاء إما للسكت من سانيت ، وإما من أصل الكلمة وهي سانهت وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف هو ، فرآه ميتا وعظامه باقية وَلِنَجْعَلَكَ فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية على البعث ، أي علامة على قدرة